1979... الابتعاث الرسمي للإسلام السياسي

1979... الابتعاث الرسمي للإسلام السياسي
العمل الفني للفنان الروسي Lampas Pokras

سامي داوود

يمايز علم التأريخ بين البداية الزمنية لحقبة ما، وبين البداية المنطقية التي يؤسسها حدثٌ فارق في سياق معين. مع الأخذ في الاعتبار تباين المجالات الإنسانية التي يتم تأريخها. كالفرق بين التاريخ العلمي والتاريخ الاجتماعي المُعلَّم بأحداثٍ مفترقة. مثلاً بدأ القرن العشرين بالنسبة إلى العلوم الطبيعية سنة 1900، مع إعلان ماكس بلانك نظريتَه حول الضوء بالتزامن ـ تقريباً ـ مع نشر فرويد لكتابه تفسير الأحلام، و سنة 1905 مع نشر آينشتاين لنظريته النسبية. بينما ظلّ التاريخ الاجتماعي والسياسي للقرن العشرين معلقاً حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914 لينتهي هذا القرن عملياً سنة 1989 بسقوط جدار الـ"دومينو الاشتراكي" من برلين باتجاه موسكو 1991. وهكذا دواليك، تخصَّص كلّ جغرافية بتواريخ خاصة، وتخضِعها بتعبير بروديل للزمن الخاص في كلّ مكان.
من جهة أخرى، وأخذاً بمبدأ الحولية التاريخية، يمكن أن تتشابك عدة أحداث، متتامة الأسباب، لتظهر في صيغة حدثٍ مؤسس لظاهرة ما. ليبدأ، انطلاقاً منها، تعميم تلك الظاهرة فتكون جزءاً من أحداث مختلفة دون أن تكون بالضرورة من بنيتها. وهو ما حدث مع ظاهرة الإسلام السياسي الذي ساهمت عوامل متقاطعة في إبرازه كتنظيم موازٍ وعابر للدول، مأخوذاً بأفكار شمولية منغلقة، وأيديولوجية تشتغل كقوانين من الاقتباسات المنفصلة عن سياقها الثقافي، وعقدتها الهيمنةُ العقائدية للمنظومة السلفية بتسمياتها المختلفة سنة 1979.

يرى معظم دارسي ظاهرة الإسلام السياسي بأنّ بداية هذا التنظيم لا تعود على نحو حاسم، إلى لحظة ولادة تنظيم الإخوان المسلمين في مصر 1928. كردّ فعل على سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924، ومحاولة ابتعاثها مجدداً في مصر، بعد مرور أربعة قرون على سلب العثمانيين الخلافة الإسلامية من المماليك في مصر 1517. وعلى الرغم من اغتيال مؤسس حركة الإخوان حسن البنا، بعد الأحداث الدامية لسنة 1949، واتهام حركة الإخوان المسلمين، باغتيال رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي إثر قيامه بحلّ التنظيم. إلا أن ذلك لم يجعل القاهرة منطلقاً لتكريس الإسلام السياسي كنظام موازٍ ومتعارض مع الدولة. فقد تبع ذلك حدثٌ آخر أكثر تأثيراً، وهو اعتقال سيد قطب سنة 1954 إثر اتهام حركة الإخوان بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر. علماً أنَّ سيد قطب كان المدنيّ الوحيد الذي يحضر اجتماعات مجلس الثورة لحركة الضباط الأحرار بقيادة محمد نجيب، الزعيم المصري الأهم، والذي انقلب عليه جمال عبد الناصر في السنة ذاتها.

ما تلا ذلك كان مؤثراً أكثر،حيث جنح سيد قطب من داخل سجنه نحو الأفكار الراديكالية وكتب مؤلفه الصغير"هذا الدين" الذي يدعو فيه صراحة إلى تنقية المجتمع الإسلامي من المسلمين الضعفاء المتوافقين مع العقائد غير الدينية، وطرح في هذا الكتاب فكرة " الجنسية الإسلامية"، ليصبح القطب بذلك مغايراً لنفسه ـ قارن مثلاً بين كتابيه التكافل الاجتماعي في الإسلام، وكتابه الذي بات إنجيلاً للحركات الجهادية في العالم" معالم في الطريق". رغم هذه الأحداث، ظلّ هذا التنظيم منتشراً في حاضنته المصرية ومختلفاً بأفكاره عن الفرع المستجدّ له في سوريا مع مصطفى السباعي 1945. حتى أن جمال عبد الناصر بعد خسارته لأراضي سيناء في نكسة 1967، لجأ إلى الأزهر مصلياً ومعلناً التالي: "إن كانت بريطانيا وفرنسا دولاً عظمى، فنحن شعب مؤمن وشعارنا سيبقى الله أكبر". متراجعاً بذلك عن خطابه الذي ألقاه في ديسمبر 1965 حول الحجاب، والذي تحدث فيه متهكماً بعدم قدرة زعيم تنظيم الإخوان المسلمين، على فرض الحجاب على ابنته الطالبة في كلية الطب. وبالتالي ظلّ نشاط تنظيم الإخوان محصوراً حينذاك في مجال جغرافي محدد بمصر، ثم تمدد لاحقاً إلى الخليج العربي الذي بات أكبر وجهة لليد العاملة المصرية، والتي كانت تنحدر بمعظمها من الطبقات المعدمة في الريف والأحياء الفقيرة، والتي تغذّت بالأفكار السلفية عبر النشاط الكبير لتنظيم الإخوان في هذه المناطق، والتي وجدت نفسها فجأة أمام تحول درامي لتركيبة المجتمع المصري، حيث تحولت البرجوازية، بسبب عبد الناصر، إلى النخبة العسكرية .

وهكذا، يعتقد كل من عبد الوهاب المؤدب ومحمد آركون والعفيف الأخضر وآخرين، بأنه في سنة 1975 بدأت مرحلة التعويم والتشريع والتنظيم لتيارات الإسلام السياسي، من ضمنها حركة الإخوان المسلمين، وانتشار الوهابية في دول أخرى خارج مصر. لماذا؟. لأن اتفاق البترودولار Petrodollars الذي وقعه الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون مع منظمة أوبك سنة1970، والقاضي بمبادلة النفط بالدولار عوضاً عن الذهب الذي كان معمولاً به منذ 1944. وانضمت إليه أيضاً السعودية سنة 1973، ليعتمد رسمياً من قبل دول المنظمة سنة 1975. مقابل أن تقوم أمريكا بحماية حقول النفط في السعودية. قد ساهم في إدخال أموالٍ طائلة إلى مجتمعات محافظة وضعيفة التنمية. فتمت تروية الأصولية بعائدات النفط.

من طهران و مكة إلى بيشاور وكابول

إنّ التحول الأكبر في علاقة الشرق الأوسط بالإسلام السياسي، بدأ عملياً بثلاثة أحداث متعاقبة، أعيدت بها صياغة العلاقة بين الدولة والإسلام السياسي. بدأ هذا في شباط/ فبراير 1979، مع هبوط طائرة الخطوط الجوية الفرنسية في طهران، وعلى متنها الخميني ورفقاؤه. لتبدأ نقطة تحوّل فارقة، بقيام جمهورية إسلامية شيعية المذهب، على ضفاف دول الخليج السنية، وبمحاذاة العراق التي استلم صدام حسين حكمها في السنة ذاتها ،وبالتحديد في 16 تموز 1979.

عقب ذلك حدث جوهري ثانٍ سيغير معه حركة المجموعات الجهادية في المنطقة. وهو ما عرف برهائن الحرم المكي. حينما اقتحمت ساحة الكعبة عقب صلاة الفجر في الـ 20 من نوفمبر/تشرين الثاني 1979، مجموعة مسلحة من 200 عنصر، يتزعمهم جهيمان العتيبي برفقة صهره الذي ادعى أنه المهدي المنتظر. معتقدين أن الحديث النبوي المروي عن أبو داود، حول إرسال الله رجلاً للأمة يجدد لها دينها كل مئة سنة، قد تجلى في صهر العتيبي "محمد القحطاني". ساهم تدخل القناصة الفرنسيين والطيران الأمريكي في مساعدة الجيش السعودي على تحرير الرهائن، وإعدام ما تيسر من المتورطين في الحادثة. غير أن التخوف السعودي والأمريكي الأكبر، لم يرتبط بهذه المجموعة التي تمت السيطرة عليها، بل من المثال الذي قدمته جمهورية الخميني لمثل هذه الحركات.
ولم يتأخر الحدث الثالث الذي وفر كلّ الذرائع الممكنة لتجميع وإعادة توجيه الجهاديين إلى خارج المنطقة العربية، والاستثمار فيهم ضد الاتحاد السوفيتي الذي دخلت قواته أفغانستان في الـ 25 ديسمبر/ كانون الأول 1979. ليبدأ النفير العام في الحركات الإسلامية، وتبدأ التعبئة للجهاد في أفغانستان. غير أن نقطة التنظيم لم تكن كابول، إنما بيشاور الباكستانية، والتي لُقبت حينذاك بـ " بوابة الخلافة المفقودة". ليتأسس فيها ما بات يعرف بحركة الأفغان العرب، والتي كان منظرها ومؤسسها الفلسطيني عبد الله عزام أولهم.

معاراً من جامعة الملك عبد العزيز في جدة، إلى الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد،وصل عزام باكستان سنة 1981، ليؤسس على الفور" معسكر الأنصار" في بيشاور، المعسكر الذي سيعرف لاحقاً باسم تنظيم القاعدة، بعد أن التحق بعزام أسامة بن لادن سنة 1983. وفي المدينة ذاتها، أسست جماعة الجهاد الإسلامي المصرية مركز النور الثقافي. لتستقطب هذه المدينة "بيشاور" فيما بعد جلّ الحركات الجهادية، مع كافة التسهيلات اللوجستية والمالية المتوفرة من مصادر دولية رسمية. مكنت المخابرات الأمريكية من تزويد الأفغان بمضادات الطائرات المحمولة على الأكتاف، لضرب سلاح الجو الروسي. ومن جهة أخرى من تغيير ساحة المواجهة بين المملكة السعودية، وبين التنظيمات الجهادية التي باتت تنتشر داخلها وفي محيطها العربي.

خرج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان سنة 1989. مخلفاً حكومة موالية سرعان ما أسقطها المجاهدون الأفغان والعرب، ليتوزع المهاجرون العرب بين جبهتي الحرب الأهلية الأفغانية. حيث انضم قسمٌ منهم إلى قوات قلب الدين حكمتيار في بيشاور الباكستانية، وقسم آخر إلى أحمد شاه مسعود الذي كان منفتحاً أكثر ويتحدث الفرنسية بشكل جيد.

أدت هذه الأحداث إلى تدوير الرأسمال النقدي والبشري، داخل الجماعات الجهادية المنتشرة في العالم الإسلامي، من أندونيسيا وكشمير وبيشاوروكابول، إلى السودان والجزائر وليبيا ومصر والخليج العربي. وباتت عودتهم إلى بلادهم مرتبطة بنزعة سيطرتهم على دولهم، التي لم تعد مناسبة للأفكار المتطرفة المؤطرة لعلاقتهم مع الدين في المجال العام. وهكذا عصفت عمليات الاغتيال والعمليات الإرهابية المنطقة برمتها. وفتحت مسارات بين بيشاور وكابول وبين المنطقة الجبلية الوعرة لكل من "تويله" و" بياره" الكرديتين في محافظة حلبجة. قبل أن يقصفها صاروخ توماهوك الأمريكي سنة 2003، منطلقاً من سفينة حربية في البحر الأحمر. لتخمد بعض التيارات لفترة قصيرة، قبل أن تستعيد تنظيم صفوفها، والتي كانت قد اندمجت في خلايا فدائيي صدام حسين صاحب الحملة الإيمانية المغذية للتيارات السلفية في العراق سنة 1993.

بدأت هجرة معاكسة بعد إعلان البغدادي دولته العابرة للحدود سنة 2014. لتنطلق أفواج الجهاديين من باكستان وأفغانستان والشيشان، صوب العراق وسوريا. بعد أن أخذت تركيا على عاتقها، تجميعهم في مزارع خاصة لتدريبهم وتوجيههم إلى الجبهات التي حددتها. مستلمةً بذلك ـ تركيا ـ الراية التنظيمية للحركات الجهادية من باكستان المصدر.
وظهرت مجدداً إشكالية التوظيفات المحرفة للنصوص الدينية، لتجنيد الجهلة في حروب وظيفية، تخدم كيانات الإسلام السياسي الذي عززت مكانته صعود أسهم حزب العدالة والتنمية في تركيا، واستفادت من الفوضى الحاصلة في العالم العربي بعد ربيعه الدامي سنة 2011. علماً أن النقاش الفقهي الحديث واضح الفكرة حول ضرورة الفصل بين مفهومي الحرب والجهاد في الإسلام. وتجنب التفسيرات التي تضفي تسميات مصطنعة على آيات مجتزئة من سياقها النصي1. كالآية رقم 5 من سورة التوبة، والتي أطلقت عليها حركات جهادية في مصر والجزائر اسم آية السيف، رغم خلو القرآن من تسمية كهذه. ومناهضة مفكرين دينيين لتوظيفات كتلك.
--------------------------------------------------------------------------
1/ راجع بهذا الصدد دراسة " الحرب في الاسلام" لـ مكرم عباس. ترجمة : عبد المجيد يوسف. مؤمنون بلا حدود. قسم الدراسات الدينية. 16 ديسمبر 2018