العنف الثقافي والسياسي في المجتمعات الإسلامية

 العنف الثقافي والسياسي في المجتمعات الإسلامية
العمل الفني: الفنانة الكردية هازا براخاس

منى فياض

لفهم خلفيات العنف الثقافي والعنف السياسي السائد في المجتمعات الإسلامية

او اشكالية





يشهد العالم الذي نعيش فيه حقبة تتسم بالعنف. معظم الثقافات والمجتمعات تمر حالياً بمرحلة يسود فيها التأزم. لدينا حرب روسيا على أوكرانيا ما يهدد اوروبا. هناك صعود للإرهاب اليميني العنصري المتطرف في الغرب وانقسام عامودي في معظم دول الغرب.

لكن ما يهمنا معالجته هنا هو العنف السائد في البلدان العربية – الإسلامية وفهم دوافع عنف الإسلام السياسي الذي بلغ أوجه في العقد الفائت مع داعش والقاعدة من قبلها.

ربما تتطلب معالجة الموضوع الاتفاق على بعض المقدمات الضرورية.



الفرق بين العدوانية والعنف

في الحقيقة العنف طالما كان موجوداً منذ القدم وأفظع مما نشاهد الآن لأنه كان مقبولاً ومشجّعاً عليه. الجديد ربما تنوع اشكال العنف، وخصوصاً المرضيّة منها، وتطوير قدرة البشر على قتل اعداد كبيرة جدا بواسطة أدوات تخفف على المرء وطأة الفعل العنيف لأنه يحدث عن بُعد، كأن يكبس الطيار زراً صغيراً فيرسل صواريخ تحمل اطناناً من المتفجرات وتخلف أعداداً كبيرة من الضحايا دون ان يعاين ضحاياه مباشرة. الأسلحة تزداد فتكاً وتطوراً وتخفف الشعور بالذنب عند من يقوم بها في نفس الوقت.

بينما كان الصراع يحصل قديماً عن قرب، يتلاحم جسدان للقتال حتى الموت، فيستخدم المقاتل جسده، الأيدي والأسنان... مع معاينة آثار هذا العنف، ما يجعل ممارسته أثقل وأشد وطأة.



هذا، كما علينا أيضاً التفريق بين العدوانية كحاجة بيولوجية وكدفاع عن النفس، وهاتان حاجتان ضروريتان لأي كائن كي يعيش. فنحن نعيش على استهلاك كائنات حية من ناحية، كما أن من حقنا الدفاع عن أنفسنا تجاه خطر يهدد حياتنا من ناحية اخرى. أما العنف المعني بهذه التسمية فهو العنف من اجل العنف والايذاء، وهو ينتج عادة عن ظروف غير سوية يوجد فيها الكائن الحي، سواء كان انساناً او حيواناً[1].



خصوصية العنف الديني، داعش والقاعدة وامثالهما

الارهاب الديني السائد يهدف لتقديم عرض قوة تدميرية لا تهاب شيئا، ويمكنها ان تكبد ضحاياها عنفا وسوء معاملة كما يحلو لها دون حدود، من اجل الايحاء بانها لا تخضع للعدالة الانسانية. انها خاضعة فقط امام الله، زاعمة انها من يقيم العدل باسمه.

عندما يصبح الله حياً بين ايدي البشر، يتهيأ لهم ان لا شيء مستحيل امامهم، فيرتكبون الفظائع باسم القداسة.



نموذج عن الاتجاه الذي يدمغ ثقافتنا بالعنف: فؤاد اسحق الخوري

في كتابه "العنف سيد الاحكام" حاول فؤاد اسحق الخوري وصف المميزات التي تطبع الذهنية السائدة في العالم العربي. يجب الإشارة هنا الى انه نشر هذا الكتاب في مطلع التسعينيات، بعد المرور بحرب أهلية فظيعة وهيمنة الجيش السوري واحتلال اسرائيل للبنان؛ ربما ساهم ذلك في صدور هذا الموقف الحاد.

على كل جعلته الأوضاع في البلاد العربية يتوجه بسؤال: الى أي حد نملك في بلادنا تقاليد ديموقراطية عريقة تساعد على تكوين نخبة قادرة على التفكير بحرية وعلى تحليل الوقائع؟

وفي هذا السياق ينتقد الخوري[2] قول البعض "ان الديموقراطية من صلب الاجتماع العربي ويعودون الى روايات تنم عن رحابة صدر الحاكم او الخليفة واستعداده للتجاوب مع بعض رغبات عامة الناس.. ويرى أن هذا التغني بالأسلوب الديموقراطي يعتبر الديموقراطية طريقة تعامل وتفاعل شخصي بين الناس تمارس بشيء من اللين بين الحاكم والمواطن، ولا تقيمها كمؤسسات ونظم سياسية تولّي الشعب على الحاكم. فالممارسات الديموقراطية تقوم على نظم ومؤسسات وليس على علاقات شخصية تقوم عليها قواعد الحكم والدولة.



وبرأيه هناك أربع قواعد تتحكم في تصور العرب الذهني:

1- التصوّر اللاهرمي للكون والمجتمع.

2- فكرة أن الضعف يكمن في الانفراد أو الاستفراد.

3- فكرة أن القوة تكمن في الجماعة والتجمع، أو في الاجماع والاجتماع.

4- تعطى الأوّلية في التعامل والتفاعل بين البشر للتكتيك والقدرة على التحرك والمناورة.

ويمكن تلخيص رأيه كالتالي: في غياب التنظيم الهرمي للسلطة تصبح الهيمنة محور العلاقات الاجتماعية والسياسية، ويصبح القطب المهيمن هو القاعدة التنظيمية التي يدور الافراد التابعون في فلكها. ومن ثنائية الظهور بمظهر القوي، من جهة، والتعامل مع العالم على أنه مؤلف من وحدات متساوية ومستقلة، كحبات عنقود العنب، من الجهة الاخرى، يُفرض علينا السعي الدائم لنكون الأولين بين المتساوين.

وفي هذا التصور اللاهرمي للمجتمع يصبح التفرد والانفراد ضعفاً. فإذا كانت الحقيقة مكونة من وحدات مستقلة ومنفصلة ومتساوية، فلا تتجلى القوة الا في المجموعة، أي جمع الحبات المستقلة. والمثل الشائع أن العصا الواحدة يمكن أن تكسر بينما يمكنها المقاومة عند تجميعها. لذا يخاف العرب الانفراد "استفرده" التي تعني أيضاً "استضعفه".

وبسبب هذا الصراع يسعى المرء أن يكون مهيمِناً وإلا فإنه سيصبح مُهَيمناً عليه. فليس هناك من خيار آخر. ويصبح الحكم "لمن غلبَ". ومن هنا لا حاجة لوضع قواعد معيّرة للخلافة. الخلافة لصاحب القوة والنفوذ، أو المنتصر.

يقول المثل:" ابتعد عن الشر وغنّي له"، الشعب متفرج على مسرح السياسة. جمهور لا يحكم ولا يحاسب حاكماً. فهو مجموعة حبات مستقلة ومنفصلة – مثل عنقود عنب- لا تقوم قيامتها الا بقيادة أمير.

يتابع الخوري: نحن شعب يعاني من الوحدة في قلب المجموعة. ننشد المجموعة لتبوء المركز الأول فيها. نطلب المساواة سعياً وراء الهيمنة ومن هنا يتكرر بروز البطل المفرد بمفرده مع تعاقب الأزمنة (العاشق أو المنتقم أو الناصر أو الفاتح...) لا وجود لطبقات في عالمنا، الكل سواسية كأسنان المشط، كسلسلة وكمسبحة..

وهذه الظاهرة اللاهرمية تتكرر في المعتقدات الدينية والعبادات، إن أول من آمن بالاسلام وبرسالة محمد، "صحابة" متساوون معه وليسوا "تلاميذه" كما يوصف من آمن بالمسيح. المسلم يؤدي فريضة الصلاة ويرتبط بالله مباشرة وما الامام سوى أمثولة يحتذى بها، يقلَّد. وحساب المؤمن عند ربه.



ومن ناحية اخرى ترتبط الدولة بالبطل وكم من واحدة زالت بزواله. الهيمنة محور العلاقات المميزة في المجتمع العربي، والاستئثار بالقوة هو الذي يميز فصائل المجتمع برمته. وإذا كانت الهيمنة أسلوباً في التعامل بين البشر يصبح اللجوء الى العنف سيد الموقف. نتقرب من الناس من أجل استغلالهم بشكل أفضل وبقصد الربح وليس لإقامة العدل بالضرورة. كذلك عادة استخدام الفاظ النسب، السادات استخدم "ابنائي" التي ترمز الى الوصاية والابوة، ترمز الى الرأفة والموقف السلطوي في نفس الوقت. عبدالناصر استخدم "أخوة" و"أخوات" خصوصاً في الأزمات، وكان يتحاشى لفظة مواطنين الا في الحالات الرسمية. وهو الأمر نفسه الذي أثار دهشة نوتوهارا كيف أن الحاكم العربي يخاطب مواطنيه:" بيا ابنائي وبناتي! الأمر الذي يعطيه صفة القداسة وواجب طاعته. وهو بهذا يضع نفسه فوق الشعب وفوق النظام والقانون، ويحل محل الأب ويتخذ صفة الإله الصغير".

يضع فؤاد اسحق خوري اللوم فيما نحن عليه على الذهنية العربية ويجد أنها المسؤولة عن وضعنا الحالي. ذلك أن الممارسات السياسية والاقتصادية في أي مجتمع لا تتم بمعزل عن البنية الاجتماعية والقيم السائدة فيه. فهذه حصيلة تلك: أي أن النظم السياسية والاقتصادية تتخذ أشكالاً مختلفة في مجتمعات مختلفة تبعاً لاختلاف البنية الاجتماعية واختلاف القيم بالذات. بهذا المعنى يصبح وجود أو غياب الممارسات الديموقراطية في المجتمع العربي شأناً اجتماعياً، نحن مسؤولون عنه.

لكن نقاش خوري يطال مستوين، الأول هو ان ما يرصده من خصائص تميز الذهنية العربية يتعلق بالمجتمع التقليدي الذي سبق المرحلة الحالية التي تتميز ببروز أنماط جديدة من السلوك ومن التنظيم، فالأسرة النواتية وبروز الفرد واستقلاليته تطبع فئات مهمة في مجتمعاتنا، ربما عبرت عنها الثورات التي عمت العالم العربي منذ نهاية العالم 2010، وتم إخمادها حالياً بواسطة تكاتف الأنظمة العربية في محاربتها بدعم من الأنظمة الغربية لكنها تعبّر عن روح جديدة وذهنية مختفلة.

أيضاً يمكن ان نضيف على خوري: وكما ان النظم السياسية هي نتيجة للبنية الاجتماعية، يمكن للممارسة السياسة وللجهود التربوية ان تؤثر وتغير في البنى الاجتماعية عبر القوانين والمؤسسات، وإلا لامتنع التغيير على مستوى العالم. وهذا ما يحصل في الدول الوطنية التي تسود في العالم حالياً. وهذا ما جهد ارنست رينان على اظهاره في كتابته عن ما هو الوطن؟[3]



العرب من وجهة نظر يابانية: نوتوهارا

كتب نوتوهارا بعد أن تعرف على العالم العربي منذ العام 1974 وزار العديد من بلدانه وأقام فيها لفترات، مسجلاً انطباعاته المحايدة عن هذا العالم. من الملفت ان أول ما يقوله عن عالمنا العربي: "ان الناس في شوارع المدن العربية غير سعداء، ويعبر صمتهم عن صرخة تخبر عن نفسها بوضوح"[4]. وهو يعيد هذا الشعور إلى غياب العدالة الاجتماعية، لأنها أول ما يقفز الى النظر. وهذا ما يؤدي بنظره الى الفوضى. كما أنه يلاحظ كثرة استعمال العرب لكلمة ديموقراطية، وهذا لا يعبر سوى عن شيء واحد، أي عكسها تماماً، ألا وهو القمع وغياب الديموقراطية. ولهذا القمع وجوه عدة: منع الكتب، غياب حرية الرأي وحرية الكلام وتفشي ظاهرة سجناء الرأي.

ويشير نوتوهارا، كمراقب أجنبي، أن العالم العربي ينشغل بفكرة النمط الواحد، على غرار الحاكم الواحد. لذلك يحاول الناس ان يوحدوا اشكال ملابسهم وبيوتهم وآرائهم. وتحت هذه الظروف تذوب استقلالية الفرد وخصوصيته واختلافه عن الآخرين. يغيب مفهوم المواطن الفرد وتحل محله فكرة الجماعة المتشابهة المطيعة للنظام السائد. وعندما تغيب استقلالية الفرد وقيمته كإنسان يغيب أيضاً الوعي بالمسؤولية: عن الممتلكات العامة مثل الحدائق او الشوارع او مناهل المياه ووسائل النقل الحكومية والغابات، باختصار كل ما هو عام، والتي تتعرض للنهب والتحطيم عند كل مناسبة.

كما يجد أن الناس هنا لا يكترثون او يشعرون بأي مسؤولية تجاه السجناء السياسيين، الأفراد الشجعان الذين ضحوا من أجل الشعب، ويتصرفون مع قضية السجين السياسي على أنها قضية فردية وعلى أسرة السجين وحدها ان تواجه اعباءها. وفي هذا برأيه أخطر مظاهر عدم الشعور بالمسؤولية. يعطي مثلاً عن زياراته الخمس لتدمر (سوريا) دون ان يعرف ان فيها سجناً مشهوراً وهو حتى الآن لا يعرف موقع هذا السجن بسبب الخوف الذي يحيط به بالطبع. فعند السؤال عن سجن ما يخاف الشخص ويهرب، كأن الأمر يتعلق بسؤال عن ممنوع او محرم. إنه الخوف الذي يمنع المواطن العادي من كشف حقائق حياته الملموسة. وهكذا تضيع الحقيقة وتذهب الى المقابر مع اصحابها.

تظهر لنا تعليقات نوتوهارا انه يبحث عن أسباب لسلوك الناس من حوله في النظام السياسي وطبيعة الحكم محمّلاً بنية الأنظمة في دولة الاستبداد وفي النظام السياسي القمعي لنشوء هذه الظواهر، وليس للطبيعة البشرية او لذهنية الناس او جوهر الطبيعة العربية. الذهنيات تتحول وتتطور ولو ببطء شديد، وهذا ما عملت عليه مدرسة حوليات التاريخية.



الأسئلة التي تُطرح هنا

من أجل محاولة وضع الأمور في نصابها: هل هناك، تاريخياً، ثقافة خالية من العنف؟ وهل حقاً أن التطرف والعنف هما من طبائع الاسلام؟ وان الثقافة العربية والدين الاسلامي يتصفان بالعنف؟



العنف والتعذيب من السمات الجوهرية للعصور القديمة.

نادرا ما تنجو ثقافة في العالم من العنف. ولطالما شكلت مشاهد العنف مصدر افتتان الجماهير وحماسها منذ زمن الغلادياتور في روما الى مصارعة الثيران او اقتتال الديكة ومشاهد الإعدام والتعذيب...

لأن بناء الامبراطوريات، التي ظلت سائدة الى ان بدأت الدولة – القومية بالتشكل منذ حوالي ال 200 عام، والحفاظ عليها يستلزم اراقة الكثير من الدماء إضافة للقمع الوحشي لمن تبقى. أن الحروب والاستعباد والترحيل والابادة الجماعية هي أدوات الامبراطوريات الكلاسيكية. وكانت تلقى مقاومة شرسة.

مع ذلك نجد أن النسل البيولوجي لتلك الشعوب التي قاومت انتهى بها الامر الى التماهي مع تلك الحضارة يتكلمون لغتها ويعبدون آلهتها. ذلك ان انتهاء الامبراطورية الرومانية على يد القبائل الجرمانية عام 476 لم يؤد الى نهوض مئات الشعوب التي كانت قد احتلتها روما، إذ لم يكن قد بقي منها شيء.

ان هدم الامبراطوريات لا يحرر الشعوب الخاضعة. اذ ان امبراطورية جديدة تندفع لتملأ الفراغ المتروك.



هذا لا يعني ان الامبراطوريات شر مطلق وانها لا تترك خلفها الا الدمار. ان صبغ كل الامبراطوريات بالاسود يعني التنصل من كل ارث امبريالي، ويعني رمي الجوهري من الثقافة الانسانية.

فالنخب الامبريالية تستعمل فائضها المالي ليس فقط لتمويل الجيوش والقلاع لكن ايضا لإنتاج الفلسفة والفنون والآداب والعلوم. ان نسبة مهمة من الانتاج الثقافي للإنسانية يعود لفائض استغلال الشعوب المغزية. فمكاسب الامبريالية الرومانية اعطت لشيشرون وسينيك وسانت اغوستان وقت الفراغ اللازم والموارد الضرورية كي يتفرغوا للتفكير والكتابة؛ وما كان يمكن بناء تاج محل دون الثروات المكدسة جراء استغلال المونغول للهنود ولما تمتعنا بموسيقى هايدن وموزارت دون المعاشات التي أمنتها لهم الامبراطورية الهبسبورغية.

سنجد الميراث الامبريالي عند الناس العاديين في غالبية الثقافات العصرية. معظمنا يتحدث ويفكر ويحلم اليوم باللغات الامبريالية التي فرضت على اجدادنا بالسيف. في شرق آسيا معظم السكان يتحدثون ويحلمون لغة امبراطورية الهان الصينية. وبغض النظر عن اصولهم، معظم سكان الاميركيتين، يتحدثون 4 لغات امبريالية: الاسبانية والبرتغالية والفرنسية او الانجليزية.

المغاربة والمصريون اليوم يتحدثون العربية ويتماهون مع العروبة ويعتبرون هوية الامبراطورية العربية التي غزت مصر في القرن السابع وسحقت الثورات التي انفجرت ضد هيمنتها، هويتهم. وذابت جميع الشعوب التي كانت موجودة. الإنجليزية تصبح الآن اللغة العالمية تقريباً بسبب الهيمنة الأميركية كامتداد للأنجلوسكسونية.

حساسية جديدة تبرز

لكن هناك لحظة معينة في التاريخ بدأ فيها التحوّل نحو رفض العنف وإدانته ورفض التعذيب. ويعتبر الباحثون عامة ( فوكو في المراقبة والعقاب) أن نهايات القرن الثامن عشر عرفت مشاريع الإصلاح المتعلقة بالسجن بشكل متتابع ومتزامن في العديد من الأقطار الأوروبية وأميركا. الجديد الذي حملته هذه المشاريع، كان الاشمئزاز من التعذيب والقتل، ومشهد التنكيل بالمحكوم لم يعد مقبولاُ، بعد أن كانت الفرجة عليه تشكل مصدر لذة عظيمة ولقرون طويلة.

لكن هذه الحساسية الجديدة لم تمنع التضحية بملايين البشر في الحربين العالميتين الاولى والثانية ولا منعت بروز النازية وبشاعاتها ولا تمنع العنف الفردي المريض في الغرب بشكل عام. ناهيك عن الإرهاب اليميني والعرقي.

بالطبع أثارت الطرائق المستفزة التي استخدمتها داعش، وأخواتها، الكثير من الاشمئزاز. لكن الصحيح أيضاً ان الحضارة الغربية سبق ان مارست حتى وقت قريب أنواعاً من العقاب والقتل وتفننت في ابتداع أساليب عنف تفوق ما تقوم به داعش ولو أن هذه الاخيرة اطلعت على كتاب فوكو "المراقبة والعقاب" لأتحفتنا بأساليب إجرامية أكثر توحشاً.

بدايات رفض العنف

ومع ان العالم الاسلامي يغرق الآن في مخاض من العنف والتطرف؛ مع ذلك يجدر بنا تلمس بروز هذه الحساسية الجديدة ضد العنف المشار اليها لدى الكثير من الفئات الاجتماعية العربية. فشعار لا للعنف الذي رفع في كل من تونس ومصر، او “السلمية" في سوريا في السبعة أشهر الاولى من الثورة، هي تطبيق عملي لهذه المشاعر المستجدة. وفي لبنان معظم التحركات المعارضة لا تستخدم العنف، بالرغم من مواجهة اركان السلطة المهيمنة بالعنف.

وهنا أود أن أشير الى أن هذه "الحساسية" التي تعبّر عن نفسها بكل وضوح على الساحات العربية هي سمة مستجدة على مفهوم "الثورات" التي كانت تتسم دائماً بالعنف وحده: الثورة الفرنسية، الثورة الروسية والثورة الصينية إلخ... بحيث ان كلمة ثورة كانت تتماشى حكماً مع عنف ودم.



لفهم نشأة الإسلام السياسي السني والشيعي

انطلق التأسيس للإسلام السياسي مع ظهور حركة الاخوان المسلمين (كان عام 1928، أما السلطنة العثمانية فلقد سقطت عام 1924)، ولقد جاء كردة فعل على سقوط "الخلافة" العثمانية، فظهر تياران: القومي الذي يريد الوحدة العربية والانصهار وتحول الى تيار شوفيني، والإسلامي الذي يرفع الشعار الغائم : "الإسلام هو الحل".

ثم جاء احتلال فلسطين الذي شكل صفعة مدوية لهوية المسلمين، وفقدت الدول الوطنية العربية، حديثة التأسيس" المزيد من لا شرعيتها، لفشلها سواء في استعادة الخلافة الإسلامية وإقامة الوحدة او في القيام بمهام التحرير والتنمية والديموقراطية، فحولت هذه الأنظمة جيوشها وأجهزتها الأمنية، المعدة لمواجهة إسرائيل، الى شعوبها.

ومنذ السبعينيات، مصر، وقبل ذلك ظهور الحركة الوهابية في الجزيرة، ساهمت الدولة الوطنية بتغذية التوجه الديني بحثا عن غطاء وشرعية لفشلها (السادات لمواجهة الإرث الناصري)[5].

في هذا السياق حصلت الثورة الإيرانية التي استولى عليها رجال الدين وحولوا إيران الى دولة إسلامية مستلهمين النموذج الاخواني.



إثر الهزيمة السياسية والفكرية على الافراد لفهم سلوك الجماهير المهزومة

أثار الظهور الاعلامي المفاجئ لوائل غنيم بحالة وصفت بانها صادمة ضجة كبيرة؛ اذ بدا مشوشا ومضطربا ومشتت الذهن. ربما ليس من المستغرب ان يكون في حالته التي ظهر عليها بسبب الهزيمة التي لحقت بثورة 25 يناير وبثوارها الذين تبعثروا وادخلوا السجون.

لا بد من الاشارة الى ان اي هزيمة سياسية تترك أثراً كبيراً على من يتعرض لها. الهزيمة تصيب الذي يتعرض لها بهشاشة كبيرة وقد تعتبر نوعا من الموت: فيشعر المهزوم بالخسارة والغضب والحزن، وما يضاعف الاحساس بالهزيمة الطابع التملكي والمستحوذ والمثير للسياسة. فالفرد يوظف فيها جزءا كبيرا من حياته وطاقاته. تصبح جزءا من كيانه. لذا هناك شعور أكيد بالخيبة. ربما يدخل بعدها في قوقعته، بسبب الشعور بالعجز والخيبة. قبل ان يتقبلها البعض لاحقا. وقد تساعد اعمال عالم النفس فتحي بن سلامة في فرنسا في إلقاء الضوء على هذه الدينامية النفسية[6].



نموذج الانتحاريون

حاول فتحي بن سلامة في كتابه "الرغبة الغاضبة بالتضحية"[7]، ان يقدم تأويلا لمفهوم الرغبة بقتل النفس يتمحور حول مركز جاذب سمّاه المسلم الاعلى على غرار الأنا الأعلى الفرويدي.

ان تعيين مفهوم "المسلم الاعلى"[8] يكتسب هنا قيمة تشخيصية للخطر الذي تعرض له المسلمون وحضارتهم، فتحولت الراديكالية الى عارض نفس - اجتماعي يشكل تهديدا جدياً. عاين بن سلامة ظهور طيف المسلم الاعلى خلال ممارسته العيادية في منطقة فرنسية. راقب على مر السنوات تصاعد عذاب، عُبِّر عنه ب "لَستُ" مسلما بما فيه الكفاية"، الذي قاد الى تكوين "ايمان حارق"، يدفعهم للمطالبة باسترداد عدالة تبلسم ندوبهم الهوياتية، التي تبلورت على شكل "جرح المثال الاسلامي" المحتاج الى الترميم، او حتى الثأر.

عند تحليل خطاب الاسلاميين الراديكاليين، الذي تمت ترجمته بلغة النظريات السياسية المعاصرة، تم تناسي ان هدفه الجوهري هو فبركة قوة فوق – دينية تعقد صلة مع المقدس الأثري والاضحوي ولو انها تلجأ الى التقنيات الحديثة. هذه الصورة نتاج واعٍ و لاواعي لقرن من الإسلاموية.

هذا الجرح الهوياتي او "المثال الاسلامي المجروح" يرتكز على ما ارتكب من إساءات في الماضي مما عرف بالاستعمار او الكولونيالية كما في الحاضر وتسببت بالهزائم المتراكمة التي عاشتها أجيال هذه المنطقة. بحيث يمكن القول ان الحركة الاسلامية ولدت من تروما تلك الصدمة، التي تبعت انهيار السلطنة العثمانية او الخلافة الإسلامية، التي انتشرت كالموجة بين الحشود. اما الاساءات الممارسة ضد المسلمين فتمتد من الحروب القديمة الى حروب الشرق الاوسط وفلسطين وافغانستان ومن ثم العراق.

كما ساهمت الثورة الإيرانية، التي أسست اول دولة سلامية بالمعنى الحرفي للكلمة، بإعطاء دفع قوي لتلك التيارات فاستعادت حيويتها.



العنف السياسي

ثمة اتفاق بين أغلب الباحثين، أن العنف يصبح سياسياً عندما تكون أهدافه أو دوافعه سياسية. ويتفقون على تعريفه كالتالي: "استخدام القوة المادية، أو التهديد باستخدامها، لتحقيق أهداف سياسية". لكن هناك من يضيف انه "الاستخدام غير الشرعي للقوة، أو التهديد باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالآخرين". وهو ما ينطبق على ما تقوم به الجماعات الإرهابية على أنواعها.

تتعدد انواع العنف السياسي واهدافه كما القوى التي تمارسه.

تقليدياً انه العنف الموجه من النظام إلى المواطنين، أو إلى جماعات وعناصر معينة منهم، يعجز النظام القائم عن استيعابهم كقوى جديدة ترغب في المشاركة في السلطة والحصول على نصيب أكبر من الثروة والنفوذ. وذلك لضمان استمرار النظام، وتقليص دور القوى المعارضة أو المناوئة له والتي

تمثل تحدياً له لتحجيمها.

ويمارس النظام العنف من خلال أجهزته الرسمية كالجيش، والشرطة، والمخابرات، والقوانين الاستثنائية. ويُعرف العنف في هذه الحالة باسم "العنف الرسمي أو الحكومي". وهو شائع الاستخدام في الأنظمة الاستبدادية والشمولية.

هناك العنف الموجه من المواطنين، أو فئات اجتماعية معينة، كالعمال، والطلاب، والفلاحين، والأقليات، والأحزاب، والتنظيمات السياسية، إلى النظام أو بعض رموزه. ويتخذ العنف في هذه الحالة شكل التظاهرات، والاضرابات، والاغتيالات. ويُعرف العنف في هذه الحالة بالعنف الشعبي، أو العنف غير الرسمي.

العنف الموجه من بعض عناصر النخبة الحاكمة، إلى بعض عناصرها الأخرى. ويدخل هذا العنف في إطار الصراعات داخل النخبة، ويتخذ عدة أشكال: التصفيات الجسدية، والاعتقالات، وانقلابات القصر. وقد يصل الأمر إلى حد الصدامات المسلحة بين العناصر والقوى الموالية للأجنحة المتصارعة، داخل النخبة الحاكمة.

العنف الموجه من بعض القوى أو الجماعات، ضد جماعات أخرى داخل المجتمع، نتيجة أسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية. وهو "العنف السياسي المجتمعي". وفي لبنان تستعيد الصراعات بين الطوائف والمذاهب ألقها على وقع العنف السياسي الممارس من صهر العهد.

يستخدم العنف السياسي عندما يعجز النظام القائم عن استيعاب القوى الجديدة الراغبة في المشاركة في السلطة والحصول على نصيب أكبر من الثروة والنفوذ. فتلجأ إلى استخدام القنوة لضرب القوى، التي تمثل تحدياً لها وتحجيمها.

يرغب حزب الله، الذي عرف كحركة مقاومة إسلامية، وبعد ان تحرر الجنوب، أن يصرف قوته المستندة الى سلطة السلاح وقداسة الولي الفقيه المشاركة في السلطة للحصول على نصيب أكبر من الثروة والنفوذ. وحتى الآن لم يستطع النظام تأمين هذا النصيب له من السلطة والنفوذ بشكل شرعي يضمن له استمراريته. لذا نراه يصارع الدولة نفسها من اجل تأمين أهدافه في الهيمنة عليها وتحويل لبنان الى دولة إسلامية على غرار النموذج الايراني.



خلاصة

يتبين لنا أن لا إمكانية للفصل بين العنف النفسي والعنف السوسيولوجي، فهناك دائماً أسباب سوسيولوجة للعنف تتقاطع مع العوامل النفسية.

ويجدر التنبه الى أن العنف عند الافراد يكون في معظم الأحيان علامة على العذاب. معظم الباحثين لا يقبلون فرضية وجود حالات عنف لأسباب نفسية صافية، أي تلك التي لا تتضافر فيها العوامل الاجتماعية!! كما أنه لا وجود لحالات اجتماعية صافية[9].

هناك شروط وبيئات مولّدة للعنف والاجرام[10].

لذا يجب ان نأخذ بعين الاعتبار العلاقة بين البيئة وبين السلوك العنيف في سياق سيستيمي يربط بين العوامل ذات الصلة، مثل: العوامل الوراثية والبيولوجية، الاحباط، وعوامل التعلم المسبق لكل فرد، عاملي الطباع والشخصية، كما العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، إضافة الى السياسية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع
1ـ في أن العنف الفلسطيني ليس إرهابا. منى فياض. صحيفة العرب اللندنية.
2ـ فؤاد اسحق الخوري: الذهنية العربية، العنف سيد الأحكام، دار الساقي، 1993.
3ـ “Qu'est-ce qu'une nation ?”
(Conférence prononcée le 11 mars 1882 à la Sorbonne
4ـ نوبوأكي نوتوهارا:العرب من وجهة نظر يابانبة، دار الجمل، ألمانيا، 2003
5ـ دور الدولة العلمانية في التأسيس للإسلام السياسي المتطرف. مقال/ منى فياض. جريدة النهار اللبنانية.
6ـ المسلم الأعلى كخلفية للاعتداء على سلمان رشدي. منى فياض. قناة الحرة.
7ـ Fethi benslama : Un furieux Desir de Sacrifice, Seuil, Paris, 2016
8ـ الإرهابي الراديكالي ومثاله الإسلامي الجريح. منى فياض. قناة الحرة. وصوت لبنان
9، من المفيد هنا العودة الى كتاب دوركهايم عن الانتحار
10ـ منى فياض ان نتعامل مع العنف بيينا، دار النهضة العربية، بيروت، 2014.