كيف للصين أن تخالف روسيا؟ سوق المواد الأولية

كيف للصين أن تخالف روسيا؟ سوق المواد الأولية
العمل الفني للفنان الصيني Zhang Huan

لوران ابراهيم

تغيب الصين عن مؤتمر العشرين رغم كل معارك النفوذ الاستراتيجي والاقتصادي مع أميركا، ولهذا تفسير واحد ظاهرٌ في أذهان الجميع، وهو التأثير الروسي. فقمة العشرين بوضعها مناقشة قضية أواكرانيا في قمة الملفات، جعلت الدب الروسي يتنحى عن الحضور، ويتبعه طواعية الرئيس الصيني في خطوةٍ تخيب الآمال بعد تكتل العالم خلف البريكس ومجموعة السبع. هذه الثنوية في التكتل كان لها أن تذيب بعض الجليد في قمة أوسع مثل قمة العشرين، لكن ما حدث كان مزيداً من الاستقطاب الخطر في العالم.
في مستهل الخطة الخمسية الأخيرة، أطلق الرئيس الصيني حملةً للتحول إلى قوة صناعية عظمى، لتوجه الحكومة كميات ضخمة من القروض لصالح شركات التطوير التكنولوجي وبدأت الصين بالفعل تطوراً صناعياً مطرداً، لتسير على درب النمو الاقتصادي، لكن هذا النمو يحتاج إلى أمرين، أولهما الطاقة وثانيهما المواد الأولية، التي يفتقر إليهما حجم الصناعة. مما دفع الصين إلى تعزيز تحالفها مع دولٍ كبرى منتجة للنفط مثل روسيا، بل والدوران في فلكها إذا اقتضى الأمر سياسياً، والخروج خارج حدودها في مغامرة تحدِّ للدول الغربية، ومحاولة اختراق مناطق نفوذها كالحال في الشرق الأوسط.
الشرق الأوسط وروسيا يضعان أيديهما على ثلثي الاحتياطي العالمي للغاز وأكثر من نصف احتياطي العالم من البترول. مما يدفع الصين إلى تعزيز نفوذها مع روسيا كحليف قديم، ومصدر للنفط الرخيص بعد أزمة أوكرانيا، مما يسوقها إلى عدم مخالفة روسيا سياسياً في هذا الشأن. خاصة بعد توجهها بقوة إلى الشرق الأوسط كسوق جديد وجزء من طريق الحرير الذي يحتاج دعم دولٍ كبرى مثل روسيا في مسيرتها وهي المتواجدة أصلاً في المنطقة.
افتتح في الأسبوع الماضي بنك الصين وهو أحد أكبر أربعة بنوك حكومية في الصين، فرعاً في المملكة العربية السعودية، بهدف توسيع استخدام اليوان في الصفقات التجارية بين البلدين, بعد تنامي العلاقات الاقتصادية منذ شهر كانون الأول الماضي بعد زيارة الرئيس الصيني إلى المملكة. تعتبر الصين أكبر مستورد لواردات النفط الخام من السعودية، فقد بلغت كمية النفط المستورد 641 مليون برميل في العام 2022. وتأسيس بنوك صينية في السعودية يساعد على التبادل التجاري بالعملة الصينية لإضعاف الاعتماد على الدولار كما هي سياسة الصين مؤخراً خصوصاً بعد انضمام السعودية إلى منظمة البريكس التي وضعت نصب أعينها هذا الهدف.
يحقق طريق الحرير ضمان مصالح الصين الاقتصادية والجيوسياسية مع دول الشرق الأوسط وأوربا، فحاجتها المستمرة إلى نفط الخليج العربي، يدفعها لعرض نفسها شريكاً لتنفيذ مشاريع تنموية كبرى مثل الانتقال للطاقة النظيفة، وربط شبكات المعلومات، والبنى الأساسية مثل الطرق والموانئ وسكك الحديد المهمة لتجارة الصين مع أوربا، لذلك دخلت في مشاريع قومية كبرى مثل مشروع نيوم في السعودية والتحول الصناعي، فضلاً عن تطوير ميناء الفاو المصدر للنفط وربطه بمشروع الألف مدرسة في العراق. ومشروع العاصمة الإدارية في مصر.
لم يكن لهذه المشاريع دوماً أيادٍ بيضاء على دولها، فمشروع نيوم لم يزل متعثراً رغم كل جهود إحيائه، أما مشروع الألف مدرسة في العراق فلم يزل حبراً على ورق، وأخيراً مشروع العاصمة الإدارية في مصر الذي كان وبالاً على مستقبل مصر اقتصادياً فقد وقعت في شرك الاستدانة بالوقوع في شبكة الدين العقاري، ولتبرز سخطاً متزايداً من قبل الشعب المصري حول مشاريع غير ضرورية وبديلة للإنماء الاقتصادي والصناعي الحقيقي.
دخلت الصين أيضاً إلى القارة الأفريقية بحزم المشاريع ذاتها، وعينها قبل كلّ شيء على المواد الأولية، فحضورها المتنامي في القارة يعكس أولوياتها من الناحية الاقتصادية قبل كلّ شيء، ليتعلق الأمر بغزو لسوق المواد الأولية التي تحتاجها الصناعة الصينية المتنامية لضمان التفوق التجاري للصين. ليبدأ شكل جديد من حرب المواد الأولية. ففي 30 حزيران الماضي نشرت هولندا ضوابط جديدة لتصدير آلات تصنيع الرقائق الالكترونية للصين والضرورية لإنتاج أشباه موصلات متطورة، لتفرض الصين بعدها قيوداً على تصدير الجاليوم والجيرمانيوم، وهي من المعادن المستخدمة في صناعات أشباه موصلات للسيارات الكهربائية.
في هذه الحرب المتنامية بين الغرب والصين على السوق الأوربية وسوق المواد الأولية، تسعى الصين إلى رسم مسارات سياسية متوازية مع مصالح حليف قوي مثل روسيا. التي نجت جزئياً من عقوبات واسعة طبقها عليها الغرب. وتبدأ معها صنع كيانات اقتصادية جديدة تحسباً لعقوبات قد يفرضها الغرب يوماً ما على الصين ذاتها.