الخطر على الإدارة الكردية لشمال شرق سوريا

الخطر على الإدارة الكردية لشمال شرق سوريا

توماس شميدينجر
المقال الأصل منشور في مؤسسة روزا لوكسمبورغ Rosa Luxemburg Foundation

الاستقلال الذاتي الفعلي للأكراد السوريين، القائم منذ صيف عام 2012، بات مهددًا بشكل حاد. ولم يعد السؤال المطروح سوى: كيف سيتم إنهاء هذا الكيان؟ عبر مجزرة دموية أم من خلال اندماج قسري في الدولة السورية تحت ضغط هائل.
بعد أن تخلّى الحلفاء الأميركيون عنهم، يحظى الأكراد السوريون حاليًا بتضامن كردي داخلي واسع. غير أن الدفاع عن هذه المنطقة عسكريًا، من دون دعم جوي، لا يمكن أن يصمد على المدى الطويل في مواجهة القوات السورية وحلفائها الأتراك.

هجوم وانتفاضة

بعد أن سيطرت قوات الحكومة السورية الانتقالية مطلع كانون الثاني/يناير على الأحياء الكردية في حلب، تسارعت الأحداث يوم الأحد في شمال-شرق سوريا. ففي 10 كانون الثاني، جرى نقل قوات الشرطة الكردية من حي الشيخ مقصود، آخر حي كردي كان لا يزال صامدًا في حلب، إلى المناطق الواقعة شرق نهر الفرات والخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وفرّ آلاف الأكراد من حلب إلى عفرين والمناطق الكردية شرق الفرات.

وقد فُسِّرت الهزيمة في حلب من قبل القبائل العربية، التي كانت منذ زمن غير راضية عن حكم «الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا» ذات الغالبية الكردية، على أنها إشارة للانتفاض. وكانت المناطق العربية التي سيطر عليها تنظيم «الدولة الإسلامية» بين عامي 2015 و2019 في محافظة الرقة والمناطق الواقعة شمال الفرات في محافظة دير الزور تُعد منذ فترة طويلة مناطق أزمات.
وإنما تمكن الأكراد أصلًا من السيطرة على هذه المناطق أساسًا نتيجة ضغط حلفائهم الأميركيين عليهم لهزيمة «داعش» نهائيًا، ما أدى عام 2015 إلى تأسيس تحالف عسكري هو «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، الذي ضم إلى جانب وحدات حماية الشعب والمرأة (YPG وYPJ) وحلفائهم المسيحيين، وحدات عربية أيضًا.

في يوم السبت 17 كانون الثاني، أعلنت قيادة قبيلة شمّر في سوريا رسميًا سحب دعمها للإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا. وكانت هذه القبيلة من أهم الحلفاء العرب لوحدات YPG وYPJ لسنوات. كما اعترفت بالحكومة الانتقالية في دمشق. وبالاقتران مع ذلك، انسحبت قبائل عربية أخرى مهمة في محافظة دير الزور، مثل قبيلة المشاهدة، من صفوف قوات سوريا الديمقراطية. أما قبائل أخرى، كالعقيدات، فكانت تُعد أصلًا معادية لقسد.

انهيار السيطرة شرق الفرات

صباح الأحد، بدأت الحكومة في دمشق باستعادة المناطق العربية التابعة للإدارة الذاتية. ففي حين عبرت وحدات موالية للرئيس الانتقالي أحمد الشرع نهر الفرات في محافظة دير الزور في ساعات الفجر الأولى وهاجمت المناطق الخاضعة سابقًا لسيطرة قسد، سيطرت مجموعات مقاتلة من قبائل عربية مختلفة على مناطق ممتدة على ضفاف الفرات.
ولمنع هجوم على الرقة، العاصمة السابقة لتنظيم «الدولة الإسلامية»، فجّرت قسد جسرًا مهمًا أُعيد بناؤه عام 2024. غير أن انتفاضة عربية اندلعت في المدينة نفسها. وبحلول الظهر، فقدت قسد السيطرة على وادي الفرات الشرقي، وحقول النفط في دير الزور، وأجزاء كبيرة من وحداتها العربية. وفي فترة بعد الظهر اضطرت قسد أيضًا للانسحاب من الرقة.

وهكذا، أصبحت أهم المناطق العربية التابعة للإدارة الذاتية تحت سيطرة وحدات قبلية عربية متحالفة مع حكومة دمشق خلال ساعات قليلة فقط، فيما تفككت وحدات عربية كاملة كانت حليفة للأكراد.

قبائل عربية محافظة

كانت الأوضاع في دير الزور هشة منذ زمن. فمنذ أن حررت قسد المنطقة من «داعش» بين عامي 2017 و2019، استند حكم الإدارة الذاتية هناك إلى تحالف مع قبائل عربية محلية تعاونت مع الأكراد بدافع المصلحة أكثر من القناعة السياسية. وبعض هذه القبائل تمتلك تاريخًا سياسيًا متقلبًا.

وتُعد دير الزور من أكثر المناطق محافظة في سوريا، وأكثر اعتمادًا على البنية القبلية مقارنة بغرب البلاد. كما أن بنيتها الاجتماعية ولهجتها العربية أقرب إلى وسط العراق منها إلى غرب سوريا. وشهدت المنطقة منذ التسعينيات تعاطفًا مع البعث العراقي في عهد صدام حسين، ثم لاحقًا مع التمرد الجهادي في العراق، الذي كانت طرق إمداده تمر عبر هذه المنطقة تحديدًا. وقد تعاونت بعض القبائل العربية مبكرًا مع تنظيم «الدولة الإسلامية»، قبل أن تغيّر ولاءها لاحقًا بحسب مصالحها.

ولم يكن ولاء هذه القبائل ثابتًا يومًا. ويُجسد ذلك مسار أحمد الخبيل، المعروف بأبي خولة، الذي بدأ مجرمًا، ثم أسس لواءً في الجيش السوري الحر عام 2013، ثم انضم إلى «داعش»، وفرّ إلى تركيا بعد مقتل شقيقه، ليعود عام 2016 كحليف للأكراد ضمن قسد، قبل أن يُعتقل عام 2023 بسبب أنشطة إجرامية. وأدت عملية اعتقاله حينها إلى توترات ومواجهات محدودة بين القبائل العربية وقسد.

وكان الأكراد داخل قسد يدركون دائمًا هشاشة ولاء حلفائهم العرب، رغم الخطاب العلني عن الأخوة والوحدة. كما امتنعوا إلى حد كبير عن فرض أيديولوجيتهم الخاصة في المنطقة، إذ إن الأيديولوجيا النسوية للحزب الحاكم، حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، كانت كفيلة بإشعال رفض القبائل العربية المحافظة منذ وقت مبكر. وهكذا بقي هذا التحالف تحالفًا هشًا.

تحول تحالف القبائل

تعتمد السيطرة السريعة الحالية على هذه المناطق أساسًا على تحالف بين القبائل العربية المحافظة وقوات الحكومة. صحيح أن قسد لم تفقد جميع حلفائها العرب، لكنها فقدت العناصر الحاسمة منهم.

ويُظهر تخلي قبيلة شمّر، بما في ذلك ميليشيات «الصناديد» التي تأسست عام 2013 وتسيطر على مناطقها شرق الحسكة، عن الإدارة الذاتية، أن حزب PYD لم ينجح في كسب قوى عربية مؤثرة على المدى الطويل. ويبدو اليوم أنه لم يعد هناك تقريبًا أي وحدات عربية داخل قسد.

لقد كانت قوات سوريا الديمقراطية منذ تأسيسها عام 2015 تحالفًا مؤقتًا قائمًا على المصلحة. ومع هزيمة «داعش» وانهيار نظام الأسد، زالت الأسباب الجوهرية لهذا التحالف. فالإسلام السياسي السني والقومية العربية للنظام الجديد في دمشق أقرب بكثير إلى مواقف القبائل العربية السنية من الاشتراكية النسوية للإدارة الذاتية ذات الغالبية الكردية.

كما لعبت تركيا دورًا مهمًا، إذ ضغطت منذ البداية لإنهاء الحكم الذاتي الكردي وتسليم الإدارة إلى حكومة دمشق. وقد أسهمت سياسات القمع التي انتهجتها الإدارة الذاتية في مواجهة محاولات الاختراق من دمشق وأنقرة خلال العام الماضي في تعميق الهوة بين العرب والأكراد بدلًا من ردمها.

وقف إطلاق النار

بعد انهيار الإدارة الذاتية في معظم المناطق العربية، جرى مساء الأحد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار بين أحمد الشرع والقائد العام لقسد مظلوم عبدي.

ونص الاتفاق على انسحاب جميع التشكيلات العسكرية لقسد إلى شرق الفرات، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريًا وعسكريًا بالكامل للحكومة السورية، ودمج المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن هياكل الدولة السورية.

كما تضمن الاتفاق تسليم المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز إلى الحكومة السورية، ودمج مقاتلي قسد بشكل فردي في وزارتي الدفاع والداخلية. وكان من المقرر تعيين محافظ للحسكة يضمن تمثيلًا سياسيًا للأكراد، مع تداول اسم مظلوم عبدي لهذا المنصب.

غير أن محافظة الحسكة لا تشمل كوباني، التي تتبع إداريًا لمحافظة حلب. وبحسب الاتفاق، يفترض أن تنسحب قسد من المنطقة، وأن تُشكَّل قوة أمنية محلية من سكانها، مع الإبقاء على شرطة محلية تتبع لوزارة الداخلية السورية.

كما تقرر تسليم معتقلي تنظيم «الدولة الإسلامية» ومعسكراتهم إلى الحكومة السورية، والترحيب بالمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 الذي يعترف جزئيًا بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد.

تجدد القتال

لكن الاتفاق لم يصمد. فبعد ساعات فقط، استؤنف التقدم العربي، وتبادلت الأطراف الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار. واتسم الوضع بالفوضى، خصوصًا بسبب ضعف سيطرة الحكومة الانتقالية على القوات القبلية التي شارك بعض عناصرها سابقًا في صفوف «داعش». وقد سُجلت انتهاكات بحق مقاتلين ومدنيين أكراد فور سقوط الرقة.

لاحقًا، سقط سجن الشدادي، أكبر سجن لمقاتلي «داعش» جنوب الحسكة، بعد امتناع القوات الأميركية القريبة عن التدخل، ما أدى إلى فرار مئات الجهاديين.

فشل المفاوضات والتعبئة العامة

بعد فشل مفاوضات جديدة في دمشق، أعلنت قسد التعبئة العامة. ودعت إلى مقاومة شاملة، وسط شعور واسع لدى المدنيين الأكراد والمسيحيين بأنهم تُركوا لمصيرهم، في مشهد يعيد إلى الأذهان حصار كوباني عام 2014، لكن هذه المرة دون اهتمام دولي.

وتدفّق متطوعون من مختلف أجزاء كردستان، واندلعت مظاهرات تضامن واسعة.

مفاوضات جديدة

مساء الثلاثاء، أُعلن عن وقف إطلاق نار جديد لمدة أربعة أيام، يمنح الأكراد مهلة قصيرة للتشاور. ولا يزال مصير الإدارة الذاتية والمشاركة السياسية الكردية غير واضح. لكن، ورغم المخاطر، قد يشكل هذا الاتفاق الخيار الأقل سوءًا مقارنة بخطر المجازر، ولو كان ثمنه إنهاء الحكم الذاتي مؤقتًا ونقل النضال السياسي الكردي إلى داخل مؤسسات الدولة السورية.